التقية في الاسلام

10:49 - 2021/12/29

-من القضايا التي أثيرت حولها شكوك وشبهات، وفي النهاية اتهام بعض الجماعات السلفية المتطرفة ضد الشيعة، بأن الشيعة يكذبون بسبب إيمانهم بالتقية، في حين أن أحاديث التقية منتشرة في مصادر اهل السنة.

التقية في الاسلام

و رداً على هذه الفكرة الشائعة بين الوهابية الذين يقلبون أحكام الشرع ومنها حكم التقية، ينبغي القول أن التقية من تعاليم الاسلام السامية، وللمسلمين عدة أدلة على جوازها منها آيات القرآن الكريم كقوله تعالى: (من كفر بالله من بعد ايمانه الاّ من اكره وقلبه مطمئن بالايمان). وقوله تعالى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة)

إن مسألة التقيّة غير خاصة بالشيعة، فهذا الغزالي يقول: « إن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قَدِ اخْتَفَى مِنْ ظَالِمٍ فَالْكَذِبُ فِيهِ وَاجِبٌ»[1]

وعلى هذا فليست التقية من مبتدعات الشيعة، بل هي عقيدة مشروعة، وليس صحيحاً ما قيل أن التقية مكرٌ وخديعة وتلّون، أو كما قال بعض المغرضين والجهّال بأن التقية نوعٌ من النفاق، فان النفاق عبارة عن اظهار الشخص الإيمان وإبطان الكفر، واما التقية فهي بالعكس، أي يتظاهر بما يخالف دينه ومذهبه ويبطن الدين والمذهب في قلبه ويلتزم به.

يقول شمس الدين السرخسي، الفقيه الحنفي (ت 483 هـ) في تعريف التقية:

«والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه، وقد كان بعض الناس يأبى ذلك، ويقول: إنه من النفاق، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى {إلا أن تتقوا منهم تقاة} وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب ‌التقية، وقد بينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص فيه لعمار بن ياسر - رضي الله عنه - إلا أن هذا النوع من ‌التقية يجوز لغير الأنبياء، والرسل - عليهم الصلاة والسلام -» [2]

إنّ جوازَ«التَقيَّة» لا يحظى بالدَّليل النقليّ فحسب، بل إنّ العقلَ يحكم أيضاً بصحّته ولزومه، ويَشهَد بذلك في شرائط حسّاسةٍ، وخطيرةٍ، لاَنّ حفظ النَّفس، والمالِ، والعِرض، واجبٌ، ولازمٌ من جهة، وإظهارَ العقيدة والعمل وفقَ تلك العقيدة وظيفةٌ دينيّةٌ من جانبٍ آخر، ولكن إذا جرَّ إظهارُ العقيدةِ إلى الخطر على النّفس والمال، والعرض، وتعارضت هاتان الوظيفتان عَمليّاً، حكم العقلُ السليمُ بأن يُقدِّم الاِنسانُ الوظيفةَ الاَهمّ على المهمّ.

قال الخطيب البغدادي: «جاء ‌عُمَر ‌بن ‌حماد بن أبي حنيفة، فجلس إلينا، فقال: سمعت أبي حمادا يقول: بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن. فقال: مخلوق، فقال: تتوب وإلا أقدمت عليك؟ قال فتابعه، فقال القرآن كلام الله، قال فدار به في الخلق يخبرهم أنه قد تاب من قوله القرآن مخلوق. فقال أبي: فقلت لأبي حنيفة كيف صرت إلى هذا وتابعته؟ قال: يا بني خفت أن يقدم علي فأعطيته التقية»[3]

وقال القرطبي في الانتقاء:

«هَرَبَ مِنْ بَيْعَةِ الْمَنْصُورُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لي فهم اسوة فَخرج مَعَ أُولَئِكَ الْفُقَهَاء فَلَمَّا دخلُوا عَلَى الْمَنْصُورِ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَقَالَ لَهُ أَنْتَ صَاحِبُ حِيَلٍ فَاللَّهُ شَاهِدٌ عَلَيْكَ أَنَّكَ بَايَعْتَنِي صَادِقًا مِنْ قَلْبِكَ قَالَ اللَّهُ يَشْهَدُ عَلَيَّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَة فَقَالَ حَسبك فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ حكمت على نَفسك بيعَته حَتَّى تقوم السَّاعَة قَالَ إِنَّمَا عَنَيْتُ حَتَى تَقُومَ السَّاعَةَ مِنْ مَجْلِسِكَ إِلَى بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ»[4]

____________________

(1). إحياء علوم الدين (3/ 137)

(2). المبسوط للسرخسي (24/ 45)

(3). تاريخ بغداد وذيوله ط العلمية (13/ 376)

(4). الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص159)

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Fill in the blank.