عيادة نساء المدينة لفاطمة الزهراء (4)

09:37 - 2022/01/09

-لقد ظُلمتْ سيدة أهل الكساء وسيدة آية التطهير وآية المباهلة وآية القربى، غُصب منها حقها وحق زوجها أمير المؤمنين.

عيادة نساء المدينة لفاطمة الزهراء (4)

طرحت السيدة الزهراء عليها السلام  في المقاطع السابقة سؤالا عن سبب تنحية علي بن ابي طالب عليه السلام عن منصب الخلافة، ثم أجابت عن ما سألت، فكان حاصل كلامها عليها السلام أن سبب انحراف الناس عن علي عليه السلام كان لأغراض شخصية، وأمراض نفسية متأصلة في قلوبهم.

فلقد قتل علي عليه السلام يوم بدر وأُحد وحنين والخندق وغيرها عدداً كبيراً لا يستهان به من أقطاب الشرك، ورجالات الكفر، وشخصيات الجاهلية، أمثال: عتبة وشيبة والوليد وعمرو بن عبد ودّ وعقبة بن الوليد وغيرهم، وأكثر قبائل العرب كانت موتورة بسيف علي عليه السلام.

وحتى، وبعد أن أسلمت تلك القبائل كانت رواسب الحقد والعداء كامنة في نفوسهم.

والنجاح الكبير الذي أحرزه علي عليه السلام في جميع المجالات من الطبيعي أن يهيّج الحسد في القلوب، والتقدم الباهر الذي كان من نصيب علي عليه السلام في شتى الميادين كان في قمّة فضائله.

فالآيات القرآنية التي نزلت في حقه.

والأحاديث النبوية التي شملته دون غيره.

والموفّقية التي حازها علي عليه السلام وحده.

وخصائصه التي امتاز بها عن غيره من العالمين.

كان لها أسوأ الأثر، في النفوس المريضة.

وكانت تلك الرواسب والآثار كامنة في الصدور، كأنها نار تحت رماد حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخلا الجو، وارتفع المانع فعند ذلك زال الرماد، وظهرت النار، وجعلت تلتهب وتشتعل.

بالله عليك انظر:

لقد نقل في الكتب (1) أن جماعة من الصحابة خطبوا السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أبيها الرسول (صلى الله عليه وآله) فرفضهم النبي، وحينما خطبها علي من الرسول وإذا به يجد الترحيب والتجاوب على أحسن ما يمكن.

أليس هذا مما يهيج الحسد في النفوس؟

ويأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) أبا بكر أن يذهب إلى مكة بسورة البراءة ليقرأها على أهل مكة، ويخرج أبو بكر بالسورة متوجهاً نحو مكة، فينزل جبرئيل على الرسول قائلاً: إن ربك يأمرك أن تبلّغ هذه السورة بنفسك، أو يُبلّغها رجل منك. فيأمر النبي علياً أن يتوجه نحو مكة، ويتولى قراءة السورة على أهل مكة، ويأمر أبا بكر بالرجوع.

أليس هذا الأمر يهيج الحسد في القلوب.

وهكذا وهلم جرّاً، سِر مع علي عليه السلام عبر تاريخ حياته تجده المقدَّم على غيره في كافة المجالات، ويمطره جبرئيل بآيات من الذكر الحكيم تقديراً لبطولاته، وتنويهاً لإنجازاته، وتقبّلاً لصدقاته، ومدحاً لخدماته.

والمسلمون يقرأون تلك الآيات آناء الليل وأطراف النهار راضين أو مرغمين.

ومن العجيب: أن علياً كان يخوض غمار الحروب بأمر الرسول، ولأجل التحفظ على حياة الرسول، الرسول الذي كان الإسلام متمثلاً ومتجسدّاً فيه وقائماً به، فكيف كان الناس يكرهون علياً وهو الجندي ولا يكرهون الرسول وهو القائد للجيش؟‍‍‍‍‍!

في البحار عن أبي زيد النحوي قال: سألت الخليل بن أحمد العروضي فقلت: لِمَ هجر الناس علياً (عليه السلام) وقُرباه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرباه، وموضعه من المسلمين موضعه، وعناؤه في الإسلام عناؤه؟؟

فقال: بَهَر ـ والله ـ نورُه أنوارهم، وغلبهم على صفو كل منهل، والناس إلى أشكالهم أميَل، أما سمعت ما أنشده الرياشي عن العباس بن الأحنف يقول:

وقائل كيف تهاجرتما؟***فقلت قولاً فيه إنصاف:

لم يك من شكلي فهاجرته***والناس أشكال وأُلاّف

وقال ابن عمر لعلي عليه السلام: كيف تحبك قريش وقد قتلت في يوم بدر وأُحد من ساداتهم سبعين سيداً، تشرب أنوفهم الماء قبل شفاههم؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام:

ما تركتْ بدر لنت مذيقاً***ولا لنا من خلقنا طريقاً

ومن الواضح أن الأمور ليست عيوباً ونقائص حتى يكره الناس علياً بسببها لكن عابوه على فضائله ومناقبه، وعلى انجازته وخدماته وعلى شجاعته وتضحياته، وجهاده وبطولاته، وليست هذه عيوباً حتى يُعاب علي عليها.

_________

(1). الطبقات الكبير (10/ 20 ط الخانجي) والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم (3/ 85)

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Fill in the blank.