إنه مني وأنا منه

12:14 - 2022/05/12

-تظهر حقيقة ايمان الإنسان عند الشدائد، فكم من مدعٍ للإيمان وهو خال منه، وهذا ما ظهر وتحقق في حرب أحد.

إنه مني وأنا منه

حين انهزم الناس عن النبي في أُحد غضب « صلى الله عليه وآله »، ونظر إلى جنبه ، فإذا علي ؛ فقال : ما لك لم تلحق ببني أبيك ؟ ! فقال « عليه السلام » : يا رسول الله ، أكفر بعد إيمان ؟ ! إن لي بك أسوة.[1]

فما زال علي عليه السلام يضرب كتائب المشركين بالسيف وهو راجل، فقال جبريل « عليه السلام » : يا محمد ، إن هذه المواساة ، فقال « صلى الله عليه وآله » : وما يمنعه ، وهو مني وأنا منه ؟ ! فقال جبريل : وأنا منكما.[2]

برز علي « عليه السلام » إلي حامل لواء المشركين فقتله . فسر رسول الله « صلى الله عليه وآله » بذلك ، وكبر تكبيراً عالياً .

إن هذا التكبير منه ربما ليلفت نظر المشركين والمسلمين على حد سواء إلى هذا الإنجاز الذي لا بد أن يفت في عضد المشركين ، ويكسر من حدة اندفاعهم ، ويقوي من عزيمة المؤمنين ، ويثبتهم ، ويثير لديهم الطموح بتحقيق إنجازات أكثر وأكبر ، ويعرف هؤلاء وأولئك أن مصير الحرب لا تحدده كثرة العدد ، ولا حسن العدة ، بل تحدد الإرادة والعزيمة والإيمان . .

إن قول النبي « صلى الله عليه وآله »: إنه مني وأنا منه ، قريب من قوله: حسين مني وأنا من حسين . أي أنهم نور واحد ، بعضهم من بعض .

أمير المؤمنين « عليه السلام » من شجرة النبي ، وسائر الناس من شجر شتى ، هذه الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء . وهو « عليه السلام » من طينة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، لحمه لحمه ، ودمه دمه . وهو من النبي « صلى الله عليه وآله » سلوكاً ، وعقيدة ، ومبدأ ، ونضالاً ، وأدباً ، وخلوصاً ، وصفاء ، الخ . .

كما أن النبي « صلى الله عليه وآله » هو الذي صنع علياً ، وعلّمه ، وربّاه ، وأدّبه . ومن الجهة الأخرى ، فإن النبي « صلى الله عليه وآله » أيضاً من علي ، حيث إن الوجود الحقيقي للنبي الأكرم « صلى الله عليه وآله » إنما هو بوجود دينه ، ومبدئه ، وفكره ، وعقيدته ، وسلوكه ، ومواقفه ، ورسالته ؛ فهذا النبي بما له من صفة النبوة المتضمنة لحمل الرسالة هو من علي ، وعلي « عليه السلام » هو الذي سوف يبعثه من جديد من خلال إحيائه لمبادئه ، وفضائله ، وآدابه ، وعلومه ، وغير ذلك .

وهكذا كان ؛ فلولا علي « عليه السلام » لم يبق الإسلام ، ولا حفظ الدين . حتى إننا نجد أحدهم يصلي خلف علي « عليه السلام » مرة ؛ فيقول : إنه ذكّره بصلاة رسول الله « صلى الله عليه وآله ».[3] هذه الصلاة التي لم يبق منها إلا الأذان ، وحتى الأذان غيروه.[4]

ثم إنه « صلى الله عليه وآله » قدم قوله : ( إنه مني ) ، تماماً كما قدم قوله : « حسين مني » ، لأن صناعة النبي لهم سابقة على إحيائهم لدينه . فعقائد ، ونهج ، وفكر ، ونفسية ، ودين ، وخصائص ، وآداب النبي « صلى الله عليه وآله » ، لسوف يبعثها علي والحسين « عليهما السلام » ؛ وهكذا العكس . ومن هنا صح للنبي « صلى الله عليه وآله » أن يقول : أنا وأنت يا علي أبوا هذه الأمة.[5]

كما أنه ليس من البعيد أن يكون جبرئيل « عليه السلام » كان يستفيد ويتعلم من النبي « صلى الله عليه وآله » ومن علي « عليه السلام » ، ولأجل ذلك قال : وأنا منكما . وقد ناشدهم أمير المؤمنين بهذه القضية بالذات في الشورى[6] ، ليؤكد مغزاها العميق ، ومدلولها الهام .

___________

المصادر:

[1] - إعلام الورى ج 1 ص 177

[2] - تاريخ الأمم والملوك ج 2 ص 197

[3] - صحيح البخاري ( ط دار الفكر ) ج 1 ص 191 و 200

[4] - شرح الموطأ للزرقاني ج 1 ص 221

[5] - تفسير البرهان ج 1 ص 369

[6] - الخصال ج 2 ص 121 - 124

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Fill in the blank.