نقض العهد بعد رسول الله

09:20 - 2022/07/02

هل من الممكن أن يرجع المسلمون عن وصية النبي (صلى الله عليه وآله) في ولاية أميرالمؤمنين (عليه السلام).

أميرالمؤمنين

مما لا ريب فيه ولا شك يعتريه، أنّ الأمة رجعت بعد نبيّها بالنسبة إلى ولاية وخلافة سيدنا ومولانا أميرالمؤمنين (عليه السلام)

وذلك بعدما أعلن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولايته يوم الغدير بأمر من الله سبحانه وتعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»[1] فأئتمر النبي (صلّى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى.

فجمع الناس بعد مناسك الحج وفي طريق الرجوع إلى أوطانهم ثم أعلن ولاية أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب (عليهما السلام) فبايعه المسلمون وهنّؤه.

عندها اكتمل الدين المبين «...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا...»[2] فينقل أهل السنة في كتبهم وتفاسيرهم ذيل هذه الآية روايات متعددة حول شأن نزولها، نقل الحافظ «أبو نعيم الأصفهاني» في كتاب «ما نزل من القرآن بحق علي عليه السّلام» عن «أبي سعيد الخدري» و هو صحابي معروف- أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعطى في «يوم غدير خم» عليا منصب الولاية ... و إنّ الناس في ذلك اليوم لم يكادوا ليتفرقوا حتى نزلت آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في تلك اللحظة «اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الرب برسالتي و بالولاية لعلي عليه السّلام من بعدي» ثمّ‌ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم و ال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله».[3]

أميرالمؤمنين

بعد هذه المقدمة، ربما يسأل سائل، هل من الممكن أن يترك الناس ما أخذه عليهم النبي (صلى الله عليه وآله) من عهود ويتركوا بيعة أميرالمؤمنين وينبذونها وراء ظهورهم؟

أمّا الجواب، فنقول تارة البحث يكون عن إمكان الشيء وتارة يكون عن وقوعه، بالنسبة إلى الشق الأول نقول أنّه ليس من المحال أن ينكر الإنسان شيئاً أو ينقض عهداً، إذ لا مانع موجود من إنكار شيء وخلافه ثابت من أنّه يمكن للإنسان أن ينقض ما نسجه من العهود والعقود، فالمانع مفقود والمقضتي موجود، وأمّا بالنسبة إلى الشق الثاني، وهو هل وقع أو حدث أنّ الناس نقضوا عهود الله والأنبياء قبل نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)؟

الآيات والروايات هي كفيلة بالإجابة عن سؤالنا، ففي القرآن الكريم هناك آيات كثيرة تحدثت عن إنكار الناس العهود والمواثيق التي أخذها الله عليهم، يقول تعالى: «ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ»[4]

ثم هناك الكثير من الآيات تحدثت عن أنبياء بني إسرائيل والمعاناة التي تلقوها من قومهم بسبب نقضهم للعهود والمواثيق الإلهية، يقول تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ»[5] والأعجب من ذلك كانوا يرون آيات الله والطالفه ثم ينكرونها ويرجعون إلى ضلالهم منها الآية: «وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ»[6] ولم يحصل هذا الكفر الّا بعد ما أنجاهم الله من فرعون وجنوده، وهناك أمثلة كثيرة أخرى جاءت في القرآن نعرض عن ذكرها للإختصار.

ثمّ الروايات الدالّة على رجوع الأمة بعد نبيّنا وعدم ثباتهم على العهود فهي كثيرة فعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) ،فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً[7] ،قَالَ:«يَعْنِي بِهَا وَلاَيَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)»[8]. نعم، بعد النبي (صلى الله عليه وآله) رجع الناس عن بيعتهم ونقضوا عدهم فأدّى ذلك إلى شتات الأمة والإنحراف عن مسيرها الذي طالما ضحّى من أجله النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه وأهله وماله.

فتبيّن من خلال الآيات والروايات والعقل أنّ نقض عهود الأنبياء ممكن وقد تحقق على أرض الواقع ولا استبعاد في ذلك وقد جرت هذه الظلامة بالنسبة إلى سيدنا ومولانا أميرالمؤمنين (عليه السلام).

المصادر:

[1] المائدة، الآية 67.

[2] المائدة، الآية 3.

[3] الامثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج3، ص592.

[4] البقرة، الآية27.

[5] البقرة، الآية 63و64.

[6] الأعراف، الآية138.

[7] الأحزاب، الآية 72.

[8] البرهان في تفسير القرآن، ج4، ص501.

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
4 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.