نِعَم الله تعالى لا تنحصر بالماديات

13:26 - 2023/09/28

كلمة "أنعمت" الواردة في سورة الحمد، تنطبق على جميع الأمور التي تعني الإنسان وتسهم في إسعاده، فهي نوع آخر من الترغيب والتحفيز ولا ينحصر المقصود منها بالماديات والمناصب وغيرها.

إن النعمة والاستزادة يسعى لها الجميع، فالطالب في جامعته، والمزارع في حقله، والعابد في محرابه، يتحركون من أجل الحصول على تلك السعادة فيسلكون إليها أقرب السبل وهي الصراط المستقيم.

وهذا ما يفسر لنا السبب في تكرر سورة الفاتحة في كل يوم عشر مرات على الأقل، فقد أريد منه أن يصبح خلقاً، وطريقة، وحركة عفوية، من خلال ارتكاز ذلك في نفس الإنسان وروحه وكل وجوده.

وقد يتخيل البعض ويقول: إن الذين أنعم الله عليهم، قد تسببت لهم نفس تلك النعمة بالنقمات، فقد أوذي الأنبياء، وقتل الحسين بن علي عليه السلام في كربلاء بصورة مفجعة، وقال علي عليه السلام لأهل العراق: "لقد ملأتم قلبي قيحاً".[1]

وبناءً على هذا، فكيف نفسر قوله تعالى:" فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ".[2]

حيث عد سبحانه الشهداء أيضاً في جملة من أنعم عليه، مع أنهم يواجهون الحتوف، بشفار السيوف، مع ما يصاحب ذلك من آلام ومشقات وأهوال ومحن، والأنبياء يواجهون المصائب والبلايا، والعظائم والرزايا.

والحاصل أنه وفق ذلك التصور - لا يتناسب نسبة النعمة لهم بل ذلك نقمة، لأنه ليس إحساناً وتكريماً إلهياً، فكان المناسب أن يقول: صراط الذين أتعبتهم وأشقيتهم بالمصائب في سبيل هذا الدين.

النعمة

النعمة وجواب الشبهة

وجواب هذا التخيل الخاطئ أن يقال: صحيح أن النعمة هي الشيء الحاصل للإنسان على سبيل الإفضال والتكريم منه تعالى، ولكن هل تتجسد النعمة بالمال والسلطة، والجاه والمنصب والقوة الجسدية، والجمال..؟ نعم قد يشعرنا المال بالطمأنينة، والسعادة، والراحة النفسية، ولكنها طمأنينة وراحة وسعادة تبقى محدودة بحدود، ومقيدة بقيود لا تتجاوز قيمة المال نفسه.

فإذا مرض الانسان فقد يستفيد من ماله لدخول أرقى المستشفيات، ويستخدم أحدث الأجهزة، ويستفيد من خبرات أمهر الأطباء، ولكن ليس هذا هو كل شيء، ولم يحصل على الطمأنينة وعلى السعادة بأعلى مراتبها، ولا يزول هاجس الخوف على حياته بصورة نهائية.

إن المال يماشي الانسان ويصل معه إلى حد معين ويقف، وكذلك الجاه والسلطة و... وبعد ذلك تأتي المرحلة الأخطر والأهم وهي البحث من جديد عن السعادة والطمأنينة الحقيقية ليجدها متمثلة في رضى الله سبحانه، وفي الإيمان والسكون بذكره كما قال تعالى: " أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ".[3]

ولأجل ذلك يكون الشهداء سعداء، والأنبياء والصالحون والأولياء سعداء، وفي نعمة حقيقية، هم في نعمة وفي سعادة حتى وهم يتألمون ويواجهون المحن والبلايا ويستشهدون وتأكل السيوف أجسادهم.

ومن هذا يفهم السر في قول مسلم بن عوسجة، أو سعيد بن عبد الله الحنفي للإمام الحسين عليه السلام في كربلاء: لو علمت أني أقتل فيك ثم أحيا، ثم أحرق حياً، ثم أذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرة، ما فارقتك، حتى ألقى حمامي دونك.[4]

وقول علي عليه السلام: والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه.[5]

وحين قال ابن زياد لزينب عليها السلام: كيف رأيتِ فعل الله بأهل بيتك؟ قالت: ما رأيت إلا جميلاً.[6]

وسأل الحسين عليه السلام القاسم ابن الحسن عليه السلام: يا بني، كيف الموت عندك؟ قال: يا عم، أحلى من العسل.[7]

المصادر:

[1] . نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج ١، ص٧٠.

[2] . سورة النساء، الآية 69.

[3] . سورة الرعد، الآية 28.

[4] . الإمام الحسين عليه السلام، الشيخ عبد الله البحراني، ص ٢٤٤.

[5] . نهج البلاغة، محمد عبدة، ج1، ص 36.

[6] . الملهوف على قتلى الطّفوف، السيد بن طاووس، ج1، ص201.

[7] . مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني، ج ٤، ص ٢٢٨.

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.