هل أثبتت آية الغار فضيلة لأبي بكر؟

17:09 - 2024/06/19

ما ادعاه القوم من فضيلة لأبي بكر في آية الغار يشوبه عدم الفهم والعُوار.

هل أثبتت آية الغار فضيلة لأبي بكر؟

هل أثبتت آية الغار فضيلة لأبي بكر ؟

من الأمور التي رامها أهل العامة دليلا على فضيلة أبي بكر أن الله تعالى قد آنس نبيه صلى الله عليه وآله به في خروجه إلى المدينة للهجرة، و سماه صاحبا له في محكم كتابه، وثانيا لنبيه صلى الله عليه عليه وآله في سفره ومستقرا معه في الغار لنجاته، وهو ما شهد به القرآن الكريم -كما يقولون- في قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى‌ وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‌}[1] ، لكن سيأتيك عين اليقين أن الآية ليس فيها أي فضيلة ولا منقبة لأبي بكر، بل إنها تشهد للرجل بالزلل والنقصان، وسوء الفعال.

في سياق جواب الشيخ المفيد (قدس الله روحه) عن هذه الفضيلة المزعومة ساق الجواب بصورة بليغة بديعة بأسلوب موجز كاف في المقام لرد الزيف والأباطيل، ننقله بتصرف حيث قال[2]:

ما ادعيتموه من أنس الله تعالى نبيه ص فهو توهم منكم و ظن يكشف عن بطلانه الاعتبار و ذلك أن رسول الله ص مؤيد بالملائكة المقربين الكرام و الوحي ينزل عليه من الله تعالى حالا بحال.

و السكينة معه في كل مكان و جبرئيل عليه السلام آتيه بالقرآن و عصمته و التوفيق من الله تعالى و الثقة بما وعده من النصر و الظفر يرفع عنه الاستيحاش.

فلا حاجة إلى أنيس لا سيما وأن أبا بكر جزع خائف وجل، هو بنفسه يحتاج إلى التسكين والتشجيع، فعالجه النبي بـ{لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا}.

هذا، و بعد فلو كان لرسول الله ص مؤنس على ما ادعاه الجاهل لم يكن له بذلك فضل في الدين لأن الأنس قد يكون لأهل التقوى و الإيمان بأمثالهم من أهل الإيمان و بأغيارهم من أهل الضلال و البهائم و الشجر والحجر.. و إذا كان الأمر كذلك لم يثبت لأبي بكر فضل، و هذا بين لا إشكال فيه عند ذوي الألباب.

و أما كونه للنبي ص ثانيا فليس فيه أكثر من الإخبار بالعدد في الحال و قد يكون المؤمن في سفره ثاني كافر أو فاسق أو جاهل أو صبي أو ناقص كما يكون ثاني مؤمن و صالح و عالم و بالغ و كامل و هذا ما ليس فيه اشتباه فمن ظن به فضلا فليس من العقلاء.

بكر

و أما الصحبة فقد تكون بين المؤمن و الكافر كما تكون بينه و بين المؤمن و قد يكون الصاحب فاسقا كما يكون برا تقيا و يكون أيضا بهيمة و طفلا فلا معتبر باستحقاقها فيما يوجب المدح أو الذم و يقتضي‌ الفضل أو النقص، قال الله تعالى فيما خبر به عن مؤمن و كافر {قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}[3] فوصف أحدهما بالإيمان و الآخر بالكفر و الطغيان و حكم لكل واحد منهما بصحبة الآخر على الحقيقة.. وقد تكون البهائم والسيوف أيضا صاحبا، و ذلك معروف في اللغة، وبه لم يثبت لأبي بكر بذكر الصحبة فضيلة و لا كانت له منقبة بها على ما شرحناه.

و أما حلوله مع النبي ص في الغار فهو أيضا غير موجب له‌ فضلا و لا رافع عنه نقصا و ذما و قد يحوي المكان البر و الفاجر و المؤمن و الكافر و الكامل و الناقص و الحيوان و الجماد و البهيمة و الإنسان و قد ضم مسجد النبي ص الذي هو أشرف من الغار المؤمنين و أهل النفاق و حملت السفينة البهائم و أهل الإيمان من الناس و لا معتبر حينئذ بالمكان و من اعتقد به فضلا لم يرجع في اعتقاده ذلك إلى حجة عقلية و لا عبارة و لا سمع و لا قياس و لم يحصل بذلك إلا على ارتكاب الجهالات.

أضف إلى ذلك أن الله سبحانه أخبر في هذه الآية أنه خص نبيه صلى الله عليه وآله بالسكينة دون أبي بكر وهذا دليل على أن حاله غير مرضية لله تعالى إذ لو كان من أولياء الله و أهل محبته لعمته السكينة مع النبي ص في ذلك المقام كما عمت من كان معه ص ببدر و حنين و نزل القرآن فقال تعالى : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‌ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ‌}.

فدل عموم السكينة كل من حضر مع النبي صلى الله عليه وآله من المؤمنين مقاما سوى الغار بما أنزل به القرآن على صلاح حال القوم وإخلاصهم لله تعالى و استحقاقهم الكرامة منه بالسكينة التي أكرم بها نبيه صلى الله عليه وآله وأوضح بخصوص نبيه في الغار بالسكينة دون صاحبه في تلك الحال على ما ذكرناه عن خروجه من ولاية الله تعالى و ارتكابه لما أوجب في العدل و الحكمة الكرامة بالسكينة من قبائح الأعمال و هذا بين لم تحجب عنه العباد.

هذا ما خلص به المقام من رد للأوهام التي تعتري بعض أهل الريب والأسقام، أفاد به الشيخ المفيد رمز العلم والأعلام. وطلب الحق واجب والسلام.

______

المصادر:

[1] سورة التوبة، الآية40.

[2] الإفصاح في الإمامة، الشيخ المفيد، ص185 وما بعدها.

[3] سورة الكهف، الآية37.

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
5 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.