الشيعة واللطم في مراسم العزاء

00:25 - 2016/10/03

الملخص:اللطم فهو من حيث الأصل مباح شرعاً إذا كان القيام به لهدف مشروع و غرض عقلائي و لم يترتّب عليه ضرر كبير .و دليلنا الشرعي على جوازه و مشروعيته ما رواه الشيخ الطوسي عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السَّلام ) أنه قال : " ... وَ قَدْ شَقَقْنَ الْجُيُوبَ وَ لَطَمْنَ الْخُدُودَ الْفَاطِمِيَّاتُ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ( عليه السَّلام ) وَ عَلَى مِثْلِهِ تُلْطَمُ الْخُدُودُ وَ تُشَقُّ الْجُيُوبُ "

مراسم العزاء

جائت في كتب الشيعة روايات تأمر بالصبر على المصائب وتحض على الابتعاد عن كل أنواع السخط وعدم الرضا بقضاء الله واجتناب لطم الوجه وأمثال ذلك. إذا كان الأمرهكذا، فلماذا يقوم الشيعة أيام العزاء بالعمل على خلاف ما جاء في كتبهم من أحاديث
الجواب: يجب التمييز بين البكاء على الأهل والأحباب الذين يفقدهم الإنسان بسبب الموت، وهذا النوع من البكاء ينسجم مع الفطرة الإنسانية، وبين البكاء المصحوب بشق الثياب ولطم الوجوه. والنوع الأول من البكاء هو ما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، حيث إنه عندما توفي ولده إبراهيم بكى عليه و قال : وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب عزوجل .[1] وورد أنه لما أصيب حمزة رضي الله عنه جاءت صفية بنت عبد المطلب تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار،فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : دعوها، فجلست عنده، فجعلت إذا بكت بكى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإذا نشجت نشج، وكانت فاطمة عليها السلام تبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله كلما بكت بكى ، وقال : لن أُصاب بمثلك أبدا[2]. وعن إنس قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله جعل يتقشاه ، فقالت فاطمة: واكرباه لكربك يا أبتاه ، فقال لها : ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم ، فلما مات قالت : يا أبتاه أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه ، يا أبتا إلى جبريل ننعاه ، فلما دفن قالت فاطمة عليها السلام : يا أنس أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وآله التراب[3].نجد في التاريخ الإسلامي أن البكاء على الأموات كان أمراً طبيعياً بين الصحابة والتابعين بالشكل الذي لا يسمح لنا اليوم بإنكاره ، وبكاء الشيخين أبي بكر وعمر على أحبابهم يعد أمراً مسلماً ذكره التاريخ في عدة مواقف[4].  تقول عائشة : عندما توفي النبي صلى الله عليه وآله وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدمُ مع النساء وأضرب وجهي[5]. إن إقامة العزاء على الأحبة والبكاء عليهم أمر ينبع من الفطرة الإنسانية السليمة ، وهي على الأنبياء والمرسلين والأشخاص المهمين أولى وأجدر،فالتاريخ يذكر: أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من أحد سمع نساء الأنصار يبكين ، فقال: لكن حمزة لا بواكي له ، فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة.[6]. وعن أسامة بن زيد أن ابنة لرسول الله صلى الله عليه وآله أرسلت أليه وأنا معه وسعد وأحسب أبياً، أن ابني أو ابنتي قد حضر فأشهدنا ،فأرسل يقرئ السلام، فقال : قل لله ما أخذ وما أعطى، وكل شئ عنده إلى أجل فأرسلت تقسم عليه ،فأتاها فوضع الصبي في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله ونفسه تقعقع، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له سعد : ما هذا[يا رسول الله]؟ قال: إنها رحمة، وضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما رحمة، وضعها الله في قلوب من يشاء، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء[7].أعلما بالنسبة لموت الشخصيات العظيمة من القادة الإلهيين فله شأن آخر يحسب له حساب كبير يتلاءم مع مكانتهم ومنزلتهم. وإقامة العزاء والحزن عليهم ليس معناه الجزعلى فقدهم ، بل هو نوع من الدفاع عن منهجهم و الدعوة إلى السيرعلى طريقهم وتحقيق أهدافهم، فهم كانوا الحماة الحقيقيين عن الإسلام والمدافعين عنه، ولم يهادنوا الظالمين أبداً من أمثال الأمويين والعباسيين حتى غرفوا من كاس الشهادة. فمراسم الحزن ومجالس العزاء علیهم تهدف إلى إحياءمنهجهم. وكل نوع من أنواع النوح والندب واللطم عليهم وغيرها من مظاهرالحزن يصب في هذا الاتجاه، حتى لا تقع الأمة مرة أخرى تحت ظلم الظالمين ولا تستسلم لبطشهم؛لأن الموت الأحمر خيرٌمن الحياة السوداء.
و النتيجة التي يمكن استخلاصها في هذا الصدد هي:1ـ إن إقامة العزاء على الأحبة وذرف الدموع والبكاء عليهم هونوع من الرحمة الإلهية، التي تحكي عن الكمال الإنساني ، في مقابل القسوة التي تصيب بعض القلوب فلا تبقي أثراً لتلك الرحمة بين الناس.
2ـ الخروج في مجموعات ومسيرات وإقامة العزاء وإبراز مظاهر الحزن لأجل إحياء المذهب هو أمرٌمطلوب،وهو مورد مدح وثناء فضلاً عن أن يكون مورد نهي وتحريم.
3ـ التظاهرات التي يقوم بها الشيعة أيام تاسوعاء وعاشوراء وبعض الأيام الأخرى، هي تظاهرات ذات طابع سياسي؛ الهدف منها محاكمة بني أمية وفضحهم أمام كل من يحبهم ويعتقد بولائهم، وتجسيد لمظلومية أهل البيت عليهم السلام أمام الرأي العالمي. فاللطم والندب والصياح لغاية إلفات نظرالناس إلى تلك الوقائع المرة التي يريد الظالمون إسدال الستار عليها فربما لا يكون اللطم نابعاً عن الحزن فقط بل نابعاً عن الرغبة الشديدة في محاكمة الظالمين ـ الأمويين والعباسيين ـ في محكمة التاريخ فما ورد في اللطم لا يشمل هذه المظاهرات وإنما هو راجع إلى المصائب الفردية.
4ـ إن المخالفين لإقامة هذه المظاهرهم في الحقيقة يخافون من انتشار فكر أهل البيت عليهم السلام عن طريق إعلان مظلوميتهم ومعاناتهم على يد الظلمة، فقاموا بالبحث عن طرق وأساليب تمنع الشيعة من إقامة تلك المظاهر، معتمدين في ذلك على روايات من مصادر شيعية.وفي الحقيقة أنهم يهدفون من عملهم هذا التغطية على ظلم بني أمية وتبرير أعمالهم المنافقية للإسلام،وإبعاد الناس عن أهل البيت عليهم السلام ، إلا أن المطلع على المذهب الشيعي يعرف أنه لا يوجد عالم من علمائه يجوز ما ادعوه من أعمال تخالف الأوامر الإلهية، وكل عمل كذلك فالمذهب منه بريء وإن ارتكبه بعض الناس إفراطاً منهم في الحب.[8]
[1] ـ مجمع الزوائد:3/17.
[2] ـ إمتاع الأسماع للمقريزي:154.
[3] ـ صحيح البخاري5/144، باب مرض النبي ووفاته؛ مسند أبي داود:272؛ سنن النسائي:4/13، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:6/259.
[4] . راجع كتاب : بحوث قرآنية في حدود التوحيد والشرك:195ـ201.
[5] ـ تاريخ الطبري:2/441.
[6] ـ مجمع الزوائد:6/120 يقال إن ذلك كان قبل بكاء صفية على حمزة.
[7] ـ سنن أبي داود:2/64، برقم 3125؛مسند أبي داود الطيالسي:235.
[8] ـ الأجوبة الهادية إلي سواء السبيل نقدٌ وتحليلٌ لكتاب أسئلة قادت شباب الشيعة ألي الحق بقلم عبدالله الحسيني ص:57ـ 53.

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
1 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.