القلوب المتشابهة في التيه و الغيّ

19:36 - 2017/01/21

إن الجهلة من مشركي العرب كانوا يقولون للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم): لن نؤمن لك إلا أن ينص الله نفسه على نبوتك و أن ينزل علينا آية خاصة بنا. و القرآن يرفض هذا الكلام التافه بأن في ما أنزلنا الكفاية و هم لا يستهدفون الحقيقة بهذا الطلب.

قلوب المشركين,غلف,الضلالة

قد طرح القرآن حجج مجموعة من المعاندين الذين تمادوا في العتو و يبدو أنهم المشركون العرب، فيقول: «وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ»[1].
هؤلاء الجاهلون أو الذين لا يعملون وحي الله و موقعه بتعبير الآية، طرحوا طلبين بعيدين عن المنطق؛ طلبوا أولا أن يكلّمهم اللّه و يعيّن لهم الذي هو نبي الله و ثانيا أن تنزل عليهم آية خاصة بهم بحسب اقتراحهم.
و القرآن يجيب على هذه الطلبات التافهة قائلا: «كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»[2].                   
لو أن هؤلاء يستهدفون حقا إدراك الحقيقة، ففي هذه الآيات النازلة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و اله و سلّم) دلالة واضحة بينة على صدق أقواله، فما الداعي إلى نزول آية مستقلة على كل واحد من الأفراد؟! و ما معنى الإصرار على أن يكلمهم اللّه مباشرة؟!
مثل هذا الطلب لا يمكن أن يتحقق، لأن تحققه مخالف لحكمة الباري (سبحانه و تعالى) لما يلي:
أوّلا: إثبات صدق الأنبياء للناس كافة أمر ممكن عن طريق الآيات التي تنزل عليهم.
ثانيا: لا يمكن للآيات و المعاجز أن تنزل على أي فرد من الأفراد، فذلك يتطلب نوعا من اللياقة و الاستعداد و الطّهارة الرّوحية. فالأسلاك الكهربائية تتحمل من التيّار ما يتناسب مع ضخامتها. الأسلاك الرقيقة لا تتحمل التّيار العالي، و لا يمكن أن تتساوى بالأسلاك الضخمة القادرة على توصيل التّيارات العالية.
و المهندس يفرّق بين الأسلاك التي تستقبل التّيارات العالية من المولدات مباشرة، و الأسلاك التي تنقل التيّار الواطئ داخل البيوت.
مرّ علينا في الآية أن القرآن يصف الحجج الواهية التي يطرحها المعاصرون لصاحب الرسالة الخاتمة، بأنها شبيهة بتلك التي كان يتذرع بها المنحرفون من الأمم السابقة، فقلوبهم متشابهة.[3]
إضافة إلى أن طلبهم هذا كان عن عناد و تعنت؛ لأن كل دعوى تحتاج الى دليل، و ان الدليل يحتاج الى دليل، حتى ينتهي الى أصل عام واضح بذاته، لا يختلف فيه اثنان. و الدليل يختلف باختلاف طبيعة الشي‏ء المتنازع عليه، فإذا أردنا- مثلا- أن نعرف المواد التي يحتوي عليها جرم من الأجرام الطبيعية اعتمدنا التجربة و المختبر، و إذا أردنا أن نثبت وجود مدبر حكيم وراء الكون رجعنا الى العقل، أو معرفة حكم من أحكام الشريعة الاسلامية استندنا الى الكتاب و السنة، أو معرفة اللغة و مداليل الألفاظ تحتم الرجوع الى العرف و اصطلاح العرب الأوائل، و إذا كان هناك مسألة قانونية رجعنا الى القانون، أو تاريخية رجعنا الى علماء الآثار و الرواة الثقات .. و هكذا تختلف نوعية الدليل باختلاف طبيعة الحادثة التي يراد إثباتها، و ليس لأحد كائنا من كان أن يقترح من عندياته نوع الدليل، أو يطلب المزيد من الإثبات بعد أن استكمل الاستدلال جميع العناصر الموجبة لليقين و الاقناع.
و على هذا، فإذا قام الدليل الكافي الوافي الذي استدعته طبيعة المدلول، ثم اقترح مقترح دليلا سواه، أو المزيد من الاستدلال فهو مكابر لجوج يضرب بطلبه و اقتراحه عرض الحائط. و قد تحدى محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) بالقرآن المشككين و المعاندين و ثبت عجزهم و خذلانهم، و تمت الحجة عليهم، فإذا طلبوا الزوائد بعد العجز الفاضح كان طلبهم هذا من باب العناد و اللجاج، إذ لو كان غرضهم الحق بما هو حق لاقتنعوا به، و أذعنوا له بعد أن ظهر بأكمل صوره و أجلاها.[4]
مرّ علينا في الآية أن القرآن يصف الحجج الواهية التي يطرحها المعاصرون لصاحب الرسالة الخاتمة، بأنها شبيهة بتلك التي كان يتذرع بها المنحرفون من الأمم السابقة، فقلوبهم متشابهة.
القرآن يشير بهذا التقريع و اللوم إلى أنّ مرور الزمن ينبغي أن يكون عاملا على زيادة وعي الأجيال البشرية، و على تفهّم هذه الأجيال اللاحقة أكثر من السابقة لتعاليم الأنبياء، لكن مرور الزمن لا يرفع مستوى المنحرفين، بل يبقى خط الانحراف واحدا متشابها على مرّ الأجيال و كأنها متعلقة بآلاف الأعوام السالفة.

المصادر:
[1]. سورة البقرة: 2، الآية 118.
[2]. المصدر.
[3]. «الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل»، مكارم الشيرازي، ناصر، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، الطبعة الاولى، 1421هـ، ج1، ص350.
[4]. «تفسیر الکاشف»، مغنية، محمد جواد، طهران، دار الكتب الاسلامية، الطبعة الاولى، 1424هـ، ج1، ص190.

نظرات

صورة عمران
أضافه عمران في

عفي عليك

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
4 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.