عيادة نساء المدينة لفاطمة الزهراء (6)

10:20 - 2022/01/10

لو كانت الخلافة  بيد الامام علي عليه السلام لأوردهم منهلا صافيا فضفاضا.

عيادة نساء المدينة لفاطمة الزهراء (6)

إن في العالم أفراداً يحبون القيادة والرئاسة لأنفسهم، أي يحبون ليحكموا على الناس، ويحبون الرئاسة لأنها وسيلة تحقيق أهدافهم وأُمنياتهم الشخصية فهم يختارون لأنفسهم أفضل حياة.

وهناك أفراد (وقليل ما هم) يحبون الرئاسة والقيادة ليخدموا الناس، وليعيشوا آمنين مطمئنين، ولتكون لهم حياة مشفوعة بالراحة والخير والنعيم.

إن هذه الطائفة من أولياء الله لا يشعرون بالنقص في أنفسهم كي يكملوا أو يستروا ذلك النقص بالفخفخة والجبروت بل إنهم يشعرون بالكمال في أنفسهم، فهم في غنى عن الناس، والناس بحاجة إليهم.

وفي الوقت نفسه لا يستفيدون ولا ينتفعون من حطام الدنيا، ولا تطيب نفوسهم أن يتنعموا بأموال الفقراء، إنهم يحملون نفوساً أبيّة وأنوفاً حميّة، وأرواحاً طيبة تستنكف التنازل إلى هذا المستوى السافل.

هذا ما قصدته السيدة فاطمة (عليها السلام) حول موقف زوجها تجاه القيادة لو كان يفسح له المجال، ولا يغلق عليه الطريق.

تقول: (ولم لم يكن يحلى من الغنى بطائل) أي لو كان علي جالساً على منصة الحكم ما كان يستفيد من أموال الناس لنفسه فائدة كثيرة، وما كان يصيب من بيوت الأموال لنفسه فائدة كثيرة، وما كان يصيب من أموال الناس وكنوز الثروة خيراً.

(ولا يحظى من الدنيا بنائل) ما كان ينال من ثروات الدنيا بالعطاء سوى مقدار إرواء نفسه من العطش، وإشباع عائلته من الجوع.

احفظ هذه الجملة وانظر إلى حياة الحكام والسلاطين في العالم، تجدهم يسكنون أفخم المساكن، ويلبسون أفخر الملابس، ويأكلون ألذَّ المآكل، ويعيشون أفضل المعيشة، ولا تسأل عن الذخائر التي يدّخرونها ليوم ما!؟؟

كل ذلك من بيت المال، وأموال الشعب، نعم، إن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام هكذا تعرّف زوجها، والتاريخ الصحيح يصدّق كلامها والواقع يؤيد ادعائها.

فلقد حكم الإِمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أربع سنوات وشهوراً، فكانت حياته كما تقدم، فلقد كتب عليه السلام إلى عثمان بن حنيف كتاباً يقول فيه: (ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرية، ومن طعمه بِقُرصية.. فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادّخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضكم شبراً بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلّتها الخضراء، فشحّت عليها نفوس قوم وسختْ عنها نفوس قوم آخرين..) الخ.[1]

سؤال:

إن علياً الذي وصفته الزهراء بأنه لو كان يقود المسيرة لسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم خشاشة، ولا يتعتع راكبه (إلى آخر أوصافه) فلماذا حينما تسلّم القيادة حدثت الاضطرابات الداخلية، والحروب الأهلية الدامية، والمشاكل والمصائب والمذابح التي شملت الأمة الإِسلامية في عهده؟؟

والجواب:

لا شك أن المجتمع الإسلامي في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) كان مجتمعاً صالحاً من جميع النواحي، ولكن الذين حكموا المجتمع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) خلال ربع قرن قد غيّروا وبدّلوا وتصرّفوا تصرفات غير مرضية، ولو ألقيتَ نظرة إمعان على تاريخ الحكام الذين تسلّموا السلطة بعد الرسول مباشرة خلال خمسة وعشرين عاماً لرأيتَ كمية وافرة من الأوامر والفتاوى والأحكام المضادّة للشريعة الإِسلامية من الكتاب والسنة، من تغيير الوضوء والأذان وكيفية الصلاة وعدد ركعاتها إلى الحج إلى الجهاد إلى النكاح وإلى الطلاق وهكذا وهلَّم جرَّا.

ولو أردنا أن نذكر الشواهد والأمثلة لهذه المواضيع لطال بنا الكلام، ولكننا نكتفي ـ هنا ـ بمثال واحد كنموذج. ولك أن تقتبس من هذا المثال بقية الأمثلة:

خرج خالد بن الوليد بجيشه إلى بعض قبائل المسلمين. وكان في تلك القبيلة رجل من المسلمين اسمه: مالك بن نويرة، قد أسلم على يد النبي وشهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجنة وشهد عمر بن الخطاب بإسلامه فقتله خالد بن الوليد بغير ذنب سوى ذنب واحد، وهو أن زوجته كانت من أجمل نساء قومها وقد رآها خالد بن الوليد وطمع فيها، ولم يجد طريقة للاستيلاء عليها سوى قتل زوجها المسكين فقتله خالد، وفي نفس الليلة زنى بزوجته[2].

وحينما رجع خالد إلى المدينة لم يجد أي عقاب أو عتاب من رئيس الدولة يومذاك هذا هو المتفق عليه بين المؤرخين بلا استثناء، مع العلم أن الإِسلام لم يسمح بنكاح المعتدة ما دامت في العدة، والرجل لم يتزوج بها.

هذه المأساة التي تجدها في أكثر التواريخ، أتعلم كم تشتمل هذه الفاجعة من إهدار الدماء البريئة وهتك الأعراض، وارتكاب الجرائم، والتلاعب بكرامات الناس ومقدراتهم؟ وكم تتبدل نظرة الناس إلى الدين وإلى الدولة الإِسلامية؟

 

 

[1]- نهج البلاغة: الخطبة (45).

[2]- سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (5/ 31).

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
Fill in the blank.