من هو أعجز الناس؟

19:58 - 2016/10/30

ليس الدعاء كالدواء فيستعمله الإنسان عند مرضه، بل هو كالغذاء، يحتاجه الإنسان ليلا ونهارا. أي حاجة مستمرة و دائمية.ليس الدعاء كالدواء فيستعمله الإنسان عند مرضه، بل هو كالغذاء، يحتاجه الإنسان ليلا ونهارا. أي حاجة مستمرة و دائمية.

أعجز الناس، الدعاء

عن النبي صلى الله عليه وآله:
أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَكْسَلِ النَّاسِ وَ أَسْرَقِ النَّاسِ وَ أَبْخَلِ النَّاسِ وَ أَجْفَى النَّاسِ وَ أَعْجَزِ النَّاسِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:... وَ أَمَّا أَعْجَزُ النَّاسِ فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ. [1]
هذه مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله عمن يُهمل الدعاء، ولكن لحن القرآن أشد من لحن مقالة الرسول صلى الله عليه وآله. إن الله تبارك وتعالى بعد ما يأمر عباده بالدعاء قائلا:
ادْعُونِی أَسْتَجِبْ لَكُمْ [2]
يهدد الذين يديرون أوجههم عن الدعاء فيقول:
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِی سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [3]
أيضا في الصحيفة السجادية عن الإمام السجاد عليه السلام بعد تلاوته هذه الآية أنه قال:
فَسَمَّيْتَ دُعَاءَكَ عِبَادَةً، وَ تَرْكَهُ اسْتِكْبَاراً، وَ تَوَعَّدْتَ عَلَى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين‏ [4]
فتبين أن المراد بالعبادة في هذه الآية الشريفة، هو الدعاء.
نتجاهل هاهنا المسائل العديدة التي يمكن طرحها في باب الدعاء كشروط الدعاء وإستجابة الدعاء وغيرها، وندرس معا مسألة الدعاء نفسه الذي قد تم التأكيد عليه في الآيات والروايات كثيرا. وهو دليل على أهميته؛ إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ [5]

المهم في الدعاء، الربط  والإتصال بين العبد والمولى، وليس مجرد الطلب من المولى؛ كما يقول الشيخ آية الله مصباح اليزدي:
ليس للصلاة وللصيام وللدعاء مطلوبية ذاتية؛ وليست فلسفة الدعاء، قضاء الحوائج وخاصة الحوائج الدنيوية وحسب، بل للدعاء وللمناجاة مع الله تبارك وتعالى، موضوعية مع غض النظر عن الإجابة أو عدم الإجابة، وإصطلاحا نقول أن الطلب أهم من المطلوب. [6]

مع وجود أننا أمرنا بالطلب من الله تبارك وتعالى، إلا أن الأهم من الطلب، العلاقة والإتصال بالله جل وعلى. عادة يسعى الإنسان للتكلم مع الذي يحبه ويوده؛ فيلفت نظره إليه بأي طريقة كانت. وفي العلاقة مع الله، المهم أن يفعل الإنسان عملا، يجلب به رضا الله ونظره، لا أن ينال قضاء حوائجه الدنيوية بإلحاح وسماجة. فلربما تُقضى حوائج البعض بسرعة، لأن الله تبارك وتعالى لايحبهم؛ كما جاء في الحديث الشريف:
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو، فَيَقُولُ اللَّهُ- عَزَّ وَ جَلَّ- لِلْمَلَكَيْنِ: قَدِ اسْتَجَبْتُ لَهُ، وَ لكِنِ احْبِسُوهُ بِحَاجَتِهِ؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ؛ وَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالى‏: عَجِّلُوا لَهُ حَاجَتَهُ؛ فَإِنِّي أُبْغِضُ صَوْتَه‏. [7]
إذن من الضروري أن ينتبه الإنسان إلى أنّ الإتصال بالله الذي هو نور، «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» [8] ، يسبب نورانية الإنسان؛ وأحد أفضل الطرق للإتصال بالله العلي الأعلى، الدعاء.

الآن والحال أن الله تبارك وتعالى قد مَنّ على العباد فأذن لهم بالإتصال به و دعاءه، وسمى نفسه بسميع الدعاء، فلِمَ يُدبر الإنسان وجهه عن التحدث إليه؛ أو أن يَحط من طلباته، فيجعلها في مستوى الطلب الدنيوي فقط؟

كما يعبر الشيخ آية الله جوادي قائلا:
حقيقة الدعاء هي لأن يقبل الله الإنسان في محضره فيتوجه إليه، فيزوره الإنسان. لذا نرى في أبرز تعابير المناجاة الشعبانية:
وَ أَقْبِلْ عَلَيَّ إِذَا نَاجَيْتُكَ‏ فَقَدْ هَرَبْتُ إِلَيْكَ وَ وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْك‏. [9]
حكمة الدعاء، روح الدعاء؛ بأن يرى الداعي نفسه في مشهد ومنظر المدعو. وأن الله سبحانه وتعالى شاهدا عليه؛ الشاهد الذي يتصل مع المشهود إتصالا آخرا. [10]

المصادر
[1] المجلسي، بحار الأنوار، ج81، ص257
[2] الغافر،60
[3] الغافر،60
[4] الصحيفة السجادية، دعاء45
[5] الفرقان،77
[6] المصباح اليزدي، بر درگاه دوست(على عتبة الحبيب)، ص45
[7] الكافي، الكليني، ج4، ص345
[8] النور،35
[9] المجلسي، بحار الأنوار، 91، ص97
[10] الجوادي الآملي، حكمة العبادات، ص236

كلمات دلالية: 

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
12 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.