نفحات من دعاء عرفة للإمام الحسين

17:25 - 2024/06/15

-لن نحيط بكل بدعاء يوم عرفة للإمام الحسين عليه السلام شرحا وذكرا، غير أنا ذاكرون ما فيه المراد والمرغوب.

نفحات من دعاء عرفة للإمام الحسين

 من أعظم ما أُثر عن أهل البيت عليهم السلام ؛ الأدعية والمناجاة والأذكار والتسبيح، فهي خزائن مملوؤة بالمعارف والحكم والتذلل إلى الله تعالى، حيث اشتملت تلك الأدعية على أبعاد لم يأتِ بها من قبل آت، ولا يأتي بها من بعدُ أحد سوى آل محمد عليهم السلام، فكلامهم بحق: فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق، ويكفينا مدحا وإطراء ما ورد عنهم عليهم السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة: "كَلامُكُم نورٌ، وأمرُكُم رُشدٌ، ووَصِيَّتُكُمُ التَّقوى، وفِعلُكُمُ الخَيرُ، وعادَتُكُمُ الإِحسانُ، وسَجِيَّتُكُمُ الكَرَمُ، وشَأنُكُمُ الحَقُّ وَالصِّدقُ وَالرِّفقُ"، ومن بين تلك الدرر والروائع هو دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة، هذا الدعاء الذي اشتمل على مضامين عالية، تقف النفس أمامه حائرة من فيض عبقه ونسمات عباراته، وجليل نفحاته. فسبحان من أودع فيهم كل ذلك.

من دعاء يوم عرفة للإمام الحسين عليه السلام

لايخفى على القارئ الكريم أننا لن نحيط بكل الدعاء شرحا وذكرا في هذه العجالة، لكننا ذاكرون لفقرة يسيرة منه، مع بعضٍ لما أجاد به علينا علماؤنا الأبرار من شرح لهذا الدعاء الجليل، على أن تُطلب باقي فقرات الدعاء مشروحة في موضعها لتعم الفائدة. فنقول:

روى بشر وبشير ابنا غالب الأسدي أن الإمام الحسين عليه السلام قال عشية يوم عرفة :

"الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَيْسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ، وَلا لِعَطائِهِ مانِعٌ، وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِعٍ، وَهُوَ الجَوادُ الواسِعُ، فَطَرَ أَجْناسَ البَدائِعِ، وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعِ، وَلا تَخْفى عَلَيْهِ الطَلائِعِ، وَلا تَضِيعُ عِنْدَهُ الوَدائِعُ..."[1].

السلام

وهنا لا بأس أن نتوقف مع شرح لطيف أورده "الشيخ مرتضى فرج" في كتابه "شرح دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة" ، يقول فيه الشارح: 

لتوضيح معنى "الحمد" من المفيد أن تقارنه مع المدح والشكر. المدح هو الثناء بشكل عام سواء كان لأمر اختيارري أو غير اختياري، كمدح جوهرة جميلة، والشكر هو ما نبديه نحو نعمة أنعم بها علينا منعم باختياره. أما الحمد فيستعمل عند اجتماع الموردين معا. فعندما تكون أمام شيء يستوجب المدح لجماله أو جلاله، وفي نفس الوقت يستوجب الشكر لما وصلنا منه من خير ونعمة، فهنا نقوم بحمده.

والآن نأتي لبيان فقرة الدعاء المذكورة مقطعا مقطعا كما أجاد به علينا شيخنا السالف ذكره:

أولا : الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَيْسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ .. : الحمد لله الذي لايحول دون نفوذ قضائه حائل، ولا يقف في طريق سريان حكمه عائق، ولا يعطل تنفيذ أمره معطل، {  إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[2]

ثانيا : وَلا لِعَطائِهِ مانِعٌ .. : الحمد لله الذي ليس لمعروفه وكرمه مانع يحول دون وصوله إلى متلقيه، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا}[3] ، {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ}[4].

ثالثا : وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِعٍ .. : الحمد لله الذي لا يقاس صنعه وخلقه بصنع وخلق غيره، {تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[5].

رابعا : وَهُوَ الجَوادُ الواسِعُ .. : والله سبحانه وتعالى ذو السخاء الواسع.

خامسا : فَطَرَ أَجْناسَ البَدائِعِ .. : والله تعالى ابتدأ خلق صنوف المخلوقات المخترعة لا على مثال.

سادسا : وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنائِعِ .. : وهو تعالى أتقن وأحكم بعلمه صنع المخلوقات.

سابعا : وَلا تَخْفى عَلَيْهِ الطَلائِعِ .. : والطلائع هم القوم الذين يُبعثون ليطلعوا طلع العدو كالجواسيس، فهؤلاء إن خفوا عن العدو، فإنهم لا يخفون عن الله عزة وجل، الذي {لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}[6]

ثامنا : وَلا تَضِيعُ عِنْدَهُ الوَدائِعُ .. : ودائع جمع وديعة، فعند الله سبحانه وتعالى لاتضيع الودائع إذا استودعها العبد، وقد تكون الودائع أعمال صالحة، لأنها ستبقى محفوظة له بعد الموت، فـــ{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}[7] ، وقد تكون الودائع زوجة وأبناء إذا عند السفر، كما فعل ابراهيم عليه السلام، عندما استودع ذريته داعيا الله سبحانه وتعالى{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}[8] ، وكان الإمام علي عليه السلام إذا خرج في سفر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل"، وقد تكون الودائع النطف المستودعة في نطف الرجال وأصلاب النساء، فالله تعالى لا تضيع عنده الودائع، حيث فهو المتكفل بها والحافظ لها.

وهنا بالتأمل نجد أن مضامين الدعاء تحمل جوهر القرآن ومراد القرآن وتعاليم القرآن، كيف لا، والإمام الحسين سللام الله عليه تربى في دوحة نور النبوة المحمدية الإلهية، فليس عزيزا أن يحمل دعاؤه الشريف كل تلك المعاني الربانية.

وللوقوف على الشرح  الكامل للدعاء المبارك، راجع الكتاب المذكور، فقد أجاد فيه مؤلفه حفظه الله، وله وقفات جميلة حيث ربط محتوى الدعاء بآيات القرآنية المباركة. فارجع إليه.

_______

المصادر:

[1] شرح دعاء الإمام الحسين يوم عرفة، الشيخ مرتضى فرج، ص26.

[2] سورة مريم، الآية35.

[3] سورة فاطر، الآية2.

[4] سورة يونس، الآية107.

[5] سورة المؤمنون، الآية14.

[6] سورة آل عمران، الآية5.

[7] سورة الكهف، الآية46.

[8] سورة ابراهيمن الآية37.

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.