وجوب عصمة الإمام

17:07 - 2024/06/17

إن إثبات عصمة الإمام تتوقّف على التسليم بقضية إمامته والإيمان بها أولا.

وجوب عصمة الإمام

هل الإمام يجب أن يكون معصوما؟

قبل الدخول إلى موضوع عصمة الإمام نقف مع تعريف العصمة لغة واصطلاحا، ليكون القارئ الكريم على بينة مما نحن فيه. فنقول:

العصمة في كلام العرب : معناها المنع، والعاصم : المانع الحامي. أما العصمة اصطلاحا فقد عرفها غير واحد، منهم الشيخ المفيد بقوله بأنها : "لطفٌ يفعلُهُ الله تعالىٰ بالمكلّف ، بحيث تمنع منه وقوع المعصية ، وترك الطاعة ، مع قدرته عليهما"[1].

ومِن هنا قالوا بأنه ليس معنى العصمة ان الله يجبره على ترك المعصية ، بل يفعل به ألطافا ، يترك معها المعصية ، باختياره ، مع قدرته عليها، ولا يعني أن العصمة مانعةً من القدرة علىٰ القبيح ، ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن ، ولا مُلجئة له إليه ؛ بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى إنه اذا فَعَله بعبد من عبيده ، لم يُؤثِر معه معصيةً له. وليس كلُّ الخلق يُعلم هذا من حاله ، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار ، قال الله تعالى: { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ}[2] ...[3]

بعد بيان ذلك تلزم الإشارة إلى أن إثبات عصمة الإمام تتوقّف على التسليم بقضية إمامته والإيمان بها، وعند ذلك يأتي الحديث عن القول بعصمته عند من أثبتها، أو القول بعدمها عند من نفاها. والقول الفصل للشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام حول هذه المسألة هو إثبات العصمة للإمام لا نفيها عنه كما ذهب إليه غيرهم من الفرق والمذاهب، ولسنا في مقام عرض الأقوال الآن روما لعدم الإطالة، فلتراجع في محلها.

في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد يذكر العلامة الحلي أدلة في الباب سردها استدل بها على وجوب عصمة الإمام ننقلها مع توضيح ما يلزم توضيحه في وجوه:

الوجه الأول: أنّ الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل. وبيان ذلك: أن المقتضي لوجوب نصب الإمام هو تجويز الخطأ على الناس والرعية، فلو كان هذا المقتضي (أعني الخطأ) ثابتا في حق الإمام وجب أن يكون له إمام آخر، ويتسلسل الأمر إلى ما نهاية، والتسلسل باطل كما ثبت في محله، أو ينتهي التسلسل بإمام لا يجوز عليه الخطأ فيكون هو الإمام الأصلي وهذا هو المطلوب.

الإمام

الوجه الثاني: أنّ الإمام حافظ للشرع فيجب أن يكون معصوماً، أمّا كونه حافظا للشرع، فلأنّ الحافظ للشرع ليس هو الكتاب لعدم إحاطته بجميع الأحكام التفصيلية، ولا السنّة لذلك أيضاً، ولا إجماع الأُمّة لأنّ كل واحد منهم على تقدير عدم المعصوم فيهم يجوز عليه الخطأ فالمجموع كذلك، ولأنّ إجماعهم ليس لدلالة وإلاّ لاشتهرت ولا لأمارة إذ يمتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الأمارة الواحدة كما نعلم بالضرورة عدم اتفاقهم على أكل طعام معيّـن في وقت واحد، أو لا لهما فيكون باطلاً، ولا القياس لبطلان القول به على ما ظهر في أُصول الفقه، وعلى تقدير القول به فإنه ليس بحافظ للشرع بالإجماع، ولا البراءة الأصلية لأنّه لو وجب المصير إليها لما وجب بعثة الأنبياء وللاجماع على عدم حفظها للشرع، فلم يبق إلاّ الإمام، فلو جاز الخطأ عليه لم يبق وثوق بما تعبدنا اللّه تعالى به وما كلّفناه وذلك مناقض للغرض من التكليف وهو الانقياد إلى مراد اللّه تعالى، فثبت وجوب أن يكون معصوما.

الوجه الثالث: أنّه لو وقع من الإمام الخطأ لوجب الإنكار عليه، وذلك الإنكار يضادّ أمر الطاعة له في قوله تعالى: {أطِيعوا اللّهَ وأطِيعُوا الرَّسولَ وأُولي الأمرِ مِنكُم}

الوجه الرابع: أن الإمام لو وقعت منه المعصية لزم نقض الغرض من نصبه، وعلى هذا يمتنع صدورها منه، لأنّ الغرض من إقامته انقياد الأُمّة له وامتثال أوامره واتباعه فيما يفعله، فلو وقعت المعصية منه لم يجب شيء من ذلك وهو مناف لنصبه.

الخامس: أنّه لو وقع منه المعصية لزم أن يكون أقل درجة من العوامّ، لأنّ عقله أشد ومعرفته باللّه تعالى وثوابه وعقابه أكثر، فلو وقع منه المعصية كان أقل حالاً من رعيته وكل ذلك باطل قطعا.

هذا بالإضافة إلى الأدلة النقلية التي ثبتت في محلها على وجوب العصمة في الإمام، وكما يقول علمائنا: مقتضى مناسبة الحكم للموضوع أن عظمة منصب الإمامة وخطورة منصب الإمامة يقتضى أن لا يناله الظالم حتى ولو ظلم في آن من الأنات فإنه لا يصلح أن يكون أهل لها فـــ{لاَ يَنَالُ عَهْدِي (أي عهد الإمامة الظَّالِمِينَ}[4]. فتأمل.

_____

المصادر:

[1] النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد، ص٣٧.

[2] سورة ص، الآية47.

[3] انظر: العصمة حقيقتها. أدلتها، الشيخ محمد حسين الأنصاري، ص11.

[4] سورة البقرة، الآية124.

كلمات دلالية: 

Plain text

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <span> <blockquote> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <br> <hr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <i> <b> <img> <del> <center> <p> <color> <dd> <style> <font> <u> <quote> <strike> <caption>
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
5 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.